عبد القاهر الجرجاني
175
دلائل الإعجاز في علم المعاني
الخصوصيّة في الشكل ، نحو أن يصاغ خاتم على وجه ، وآخر على وجه آخر ، تجمعهما صورة الخاتم ، ويفترقان بخاصّة وشيء يعلم ، إلّا أنه لا يعلم منفردا . ولما كان الأمر كذلك ، لم يمكنهم أن يطلقوا اسم المعاني على هذه الخصائص ، إذ كان لا يفترق الحال حينئذ بين أصل المعنى ، وبين ما هو زيادة في المعنى وكيفية له وخصوصية فيه . فلما امتنع ذلك توصّلوا إلى الدّلالة عليها بأن وصفوا اللّفظ في ذلك بأوصاف يعلم أنها لا تكون أوصافا له من حيث هو لفظ ، كنحو وصفهم له بأنه لفظ شريف ، وأنه قد زان المعنى ، وأنّ له ديباجة ، وأن عليه طلاوة ، وأن المعنى منه في مثل الوشي ، وأنه عليه كالحلي ، إلى أشباه ذلك مما يعلم ضرورة أنه يعنى بمثله الصوت والحرف . ثم إنّه لمّا جرت به العادة واستمرّ عليه العرف ، وصار الناس يقولون اللفظ واللفظ ، لزّ " 1 " من ذلك بأنفس أقوام باب من الفساد ، وخامرهم منه شيء لست أحسن وصفه . فصل [ من دلالة المعنى على المعنى ] ومن الصفات التي تجدهم يجرونها على " اللفظ " ، ثم لا تعترضك شبهة ولا يكون منك توقّف في أنها ليست له ، ولكن لمعناه ، قولهم : " لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ، ولفظه معناه ، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك " ، وقولهم : " يدخل في الأذن بلا إذن " ، فهذا مما لا يشكّ العاقل في أنه يرجع إلى دلالة المعنى على المعنى ، وأنّه لا يتصوّر أن يراد به دلالة اللفظ على معناه الذي وضع له في اللغة . ذاك لأنه لا يخلو السامع من أن يكون عالما باللغة وبمعاني الألفاظ التي يسمعها ، أو يكون جاهلا بذلك . . فإن كان عالما لم يتصوّر أن يتفاوت حال الألفاظ معه ، فيكون معنى لفظ أسرع إلى قلبه من معنى لفظ آخر ، وإن كان جاهلا كان ذلك في وصفه أبعد . وجملة الأمر أنّه إنّما يتصوّر أن يكون لمعنى أسرع فهما منه لمعنى آخر ، إذا كان ذلك مما يدرك بالفكر ، وإذا كان مما يتجدّد له العلم به عند سمعه للكلام . وذلك محال في دلالات الألفاظ اللغوية ، لأنّ طريق معرفتها التوقيف ، والتقدّم بالتعريف .
--> ( 1 ) لزّ ولززا : شده وألصقه واللز لزوق الشيء بالشيء . القاموس / لزز / 673 .